الشيخ محمد رشيد رضا
328
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أعراض البدن لا استقلال لها بنفسها بل هي الحياة وقال الجمهور بل هي جوهر قال بعضهم مادي وبعضهم أنه مجرد عن المادة . وقيل هي جزء من البدن وقيل جسم مودع فيه ، واختلف في الروح فقيل هي النفس وقيل غيرها ، وقال بعضهم بالوقف وعدم جواز الكلام في حقيقة الروح ، كل هذه الأقوال نقلت عن علماء المسلمين من أهل الكتاب والفلسفة والتصوف ولم يكفر أحد منهم أحدا بمذهبه فيها ومن الغرائب أن القول بأن الروح عرض من أعراض الجسم هو الحياة منقول عن القاضي أبى بكر الباقلاني وأتباعه من متكلمي الأشاعرة وهو مع ذلك يعد من أئمة أهل السنة الأشاعرة وروى عن الامام مالك أن الروح صورة كالجسد . وقال أبو عبد اللّه بن القيم في تعريف الروح وشرح حقيقته على مذهب أهل السنة إنه جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء في الورد وسريان الدهن في الزيتون والنار في الفحم ، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف مشابكا لهذه الأعضا ، أفادها هذه الآثار الفائضة عليها من الحس والحركة الإرادية وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأجزاء الغليظة عليها وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح . اه وأقول : ان أقوى النظريات الفلسفية في إثبات الروح أو النفس - وهما يطلقان على معنى واحد - هي أن العقل والحفظ والذكربالضم أي الذاكرة ) ليست من صفات هذا الجسد أو أجزاء ماهيته وهي أمور ثابتة قطعا فلا بد لها من منشأ وجودي غير هذا الجسد الكثيف حتى إن الدماغ الذي هو مظهرها تنحل دقائقه حتى يندثر ويزول بم يتجدد المرة بعد المرة وتبقى المدركات محفوظة في النفس تفيضها على الدماغ الجديد بعد زوال ما قبله فيتذكرها الانسان عند الحاجة إليها . وقد عبر الأقدمون عن منشأها الوجودي الذي لا بد أن يكون لطيفا خفيا للطافته بالنفسبسكون الفاء ) وبالروحبضم الراء ) وهما قريبا المعنى يدلان على ألطف الموجودات المعروفة عند كل الناس فالروحبالضم ) والروحبالفتح ) الذي هو التنفس واحد في الأصل وكلاهما من مادة الريح فان ياء